سِرية
يومٌ فى حياتى لا انساه رغم الوَهن الذى اصاب ذاكرتى.
كنت فى الخامسةِ من العمرِ حين خطفتنى أمى ورفعتنى على كتفِها وهرولت وهى تبكى، ركبنا القطار … كنت اعرف جيدًا ان القطارَ يعنى جَدتى سِرية - نعم هذا اسمَها- … كانت حازمةً شديدةً مُنظِمةً نظيفةً كريمةً وكثيرةَ الاوامرِ.
دائما حين نستقل القطارَ لا ابالى إلا بالنافذةِ وما يُسابق القطارَ من الاشجارِ واعمدةِ الإنارةِ والسياراتِ.
لا اعرف كم من الوقتِ مر قبل ان نصل الى قريتِنا ومازالت أمى تبكى … وحين اقترب بيتُ جدتُى مزقت أمى صمتَها والتحفت الصراخَ وهى تنادى جدتى؛ شعرتُ بالخوفِ، السيداتُ مُتشحاتٌ بالسوادِ، يصرخن ويلطخن وجوهَهن بالاصباغِ.
مازالت أمى تقبض على يدى ،اعترضت خالتى على وجودِى وقبل ان تُبرر أمى .. سألتها سيدة عجوز: " مالها بنتك يا فريدة .. ايه اللى فى وشها وراسها ده ؟!" ردت أمى: " والله ودتها المستشفى والوحدة الصحية ومفيش فايدة يا خالة ".
ردت العجوز: " كويس انك جبتيها معاك، ان شاء الله هتخف النهاردة "
لم استوعب أى شئ، التصقتُ بأمى اكثر، دخلنا حجرةَ جَدتِى التى افترشت منضدةً كبيرةً، شرعت العجوزُ فى تغييرِ ملابسِها وتغسليها بالماءِ والصابونِ وجَدتى لا تستيقظ ولا تعترض!
ارتعدت فرائصى والعجوزُ تشدنى وتقربنى من جَدتى وتمسحُ بيدِ جَدتى -المغمورةِ فى الصابونِ - كلَ الندباتِ التى تكسو جسدى العليل، اخرجتنى من الغرفةِ وانا ابكى واحاول ان اتخلص من هذا الصابون وهى تُحذرنى؛ فلابد ان يظل على وجهى يومًا كاملًا .
وتوالت الاحداث… دفنٌ وعزاءٌ وبكاءٌ وعويلٌ وشفاءٌ.. نعم شُفيت! وظلت اثارُ الندباتِ تُذكرنى بان دوائى كان فى كفِ جَدتى رحمها الله .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق