اخر الاخبار

اكثر المقالات قراءة هذا الاسبوع

share

اعلان ممول

اعلان ممول

العربية والضاد بقلم الكاتبة الجزائرية جميلة بن حميدة 🇩🇿


 في غابر السنين والماضي السحيق انفلقت طبقات السماء وأنزلت رجلا عظيما له قدر كبير من الصرامة والعزة اسمه الضاد و امرأة فاتنة وفائقة الجمال اسمها العربية. فُتن الضاد بحسن العربية التي وهبها الله من الرفعة
والسموق وبديع الجمال فطلب يدها .

باركت السماء والملائكة زواج الرجل الضاد بالمرأة العربية فرقصت لهما النجوم وتوهجت لهما الأكوان . أثمر هذا الزواج ثمانية وعشرون ولدا وبنتا رزقهم الله سحرا عظيما وكان لهم باع من الانسجام والتناسق بينهم يتعحب له الإنس والجان .

 كانت العربية سعيدة جدا بأولادها وهم يكبرون أمام عينيها إلا أنها اكتشفت أن ألسنتهم بها عقدا فهم لا يتكلمون و أن أطرافهم مربوطة لايتحركون وكأنهم أصنام جامدة مصطفون دوما بمواضعهم. حزنت العربية كثيرا واحتارت في أمر أولادها العجيب ،فاقترحت على زوجها الضاد أن تعرضهم على طبيب أو حكيم لأن خوفها عليهم يزداد كل لحظة وأن قلبها يتمزق من جمادهم . قال الضاد :

 يازوجتي العربية أنا مثلك لكني كتوم فقط فحتما هناك حل بإذن الله . تعالي نغادر الديار ونبحث عن علاج لأولادنا . شد الجميع الرحال في فجر الغد وكلهم أمل لفك لغز هذا الجمود والصمت . طافوا الصحاري والتلال ،الوديان ، الجبال وعبروا بحورا ثم رسوا بشاطئ به قصر مزخرف كأنه من دنيا العجائب أو الخيال . دخلوا البيت بعد الاستئذان فوجدوا شيخا كبيرا يبدو وكأنه حكيم زمانه وسلطان عصره إسمه المعجم العربي . رحب بهم السيد المعجم وقدم لهم ماطاب من الأكل والشرب ثم سألهما ما خطبكما و بثغره ابتسامة عريضة . سرد الزوجان ماحل بأبنائهما من الصمت و الجماد فرشقهم بنظرة ملؤها الراحة و الثقة بنفسه ثم قال :

 دواء الأولاد هنا وأنا طبيبهم وأنتم لم تضلوا الطريق ووجهة سفركما صحيحة . دبت الفرحة والسكينة في قلوب الأبوين العربية والضاد . نادى المعجم العربي خادمه المشكال العربي وقال : خذ الأم والأولاد إلى خزائني العشرة للحلي والديباج وألبسهم ما يليق بهم . رافقتهم العربية وهم مصطفين من الألف حتى الياء بنظام الأبجدية . أدخلت الأم الميم وألبستها الفتحة فنطقت الميم مَ ، مَ ، مَ ... ثم الضمة م ،ُ مُ ،مُِ ...

وبعدها الكسرة مِ ،ِمِ ،مِ ... فراحت الأم تفتح الخزائن الثلاث التالية وألبست الميم من حلي التنوين. مً ، مٌ ، مٍ فازدادت حركة وضجيجا. زاد أيضا شغف الأم إلى فتح الخزائن المتبقية و راحت إلى حروف المد والبستهم لابنتها اليميم فصارت : ما ، مو ، مي . العربية لم تقنع وراحت إلى آخر خزانة ، مسكت حلقة مفرغة اسمها السكون و وضعتها فوق رأس الميم فسكنت صامتة كأنها صنم. تفاجأت العربية و هرولت إلى الحكيم ، أخبرته أن حالة المرض قد عادت من جديد . ابتسم المعجم وقال لها : الميم لن تشفى وحدها بل رافقي بقية إخوتها وأخواتها في صفوف منظمة ألبسيهم ما ألبستي الميم واتركيهم برفقتها فكان له ما أراد .

 صار الأبناء يصرخون ويقفزون دون توقف حتى امتلأ المكان ضجيجا و ضحكا وبكاء. خجلت الأم من الحكيم فقال لها لا تقلقي يا ابنتي فقط خذيهم الآن إلى خزائن تأمين المرور ، سيهدأون وسيضرب بهم المثل مع أقرانهم . فتحت العربية الخزائن فوجدت إشارات التنظيم من علامات الوقف والتعجب والاستفهام .... وغيرها قال لها دعيهم يصطفون كما يشاؤون ولهم خزائن المعجم كلها . انتظري فقط و سنرى كيف ينجبون بديع الكلم وأ جمل النظم و ستكون السطور ممراتهم و مسرحهم الذي يرقصون فوقه . هكذا أيها الأعزاء خلقت حروف العربية الثمانية والعشرون وهي حروف الضاد التي صاغ منها البشر أجمل الأشعار و النصوص و أعظم من هذا أن الله أنزل القرآن عربيا .

 أيها الناطق باللغة العربية لك العز و المجد و الفخار بهذه الحروف العظيمة التي وهبها الله إكسير الحياة والسحر والجمال الذي لا يضاهيه أي جمال في الكون. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

...

...