تحت شجرةِ التوتِ الكبيرةِ القابعة ِعلى شاطئ التُرعةِ تجلسُ الخالةُ وهيبة كعَادتِها مُنذ عشرة أعوام، تتأملُ الشمسَ وهى تُلملمُ اشعتَها الذهبيةَ استعداداً للرحيلِ، تُحدثها بأحاديثٍ مُبهمةِ ومُؤلمةِ، تبكى وتضحكُ.
أهلُ القريةِ يتهامسون - لقد جُنت - اسأل أمى عنها فتنظرُ لى شزرًا، عشرات المراتِ أفعل دون رد، بالأمسِ وقفتُ وراء الشجرةِ أملًا أن تلتقطُ أُذناى بعضًا مما تُهذى به … دون جدوى، اتيتُ ببعضِ التوتِ واقتربتُ منها: " خالتى التوت حلو اوي النهاردة، حلى فمك ... " مدت يدَها، ودفعت بواحدةٍ الى فمِها، وهى تدعو لى: " ربنا يحلى ايامَك يا ابنى " تجرأتُ وسألتُها وعينى فى الارضِ: " هو ابنك فين يا خالة ؟! " …
انهمرت دموعهُا وهمهمت: " ابنى سرق عمرى وراح " قبلتُ رأسَها وربتُ على يدِها واردفتُ بخجلٍ … - " راح فين ؟! " -
النداهةُ ندهته يا ابنى … - النداهة ! … هو فيه نداهة بجد ؟ -
بعد ما ربيت، وعلمت، وبعت كلَ ما املك واشتغلت فى الغيطانِ والبيوت وبقى دكتور اد الدنيا، وبقيت انا ادنى الدنيا… فاتنى، كان بيحب التوتةَ دى اوى وياما اكل توتها ولعب تحتها وذاكر فى حضنها. صمتت برهة ثم اردفت وهى تبكى: " عارف انا هنا ليه ؟ " -
ليه ياخالة ؟! - يمكن يحن لها ويجى واشوفه .. وحشنى اوى . رديت والالم يعتصرُ قلبى: " اكيد هيحن ياخالة، اطمنى تعبك مش هيروح هدر " ضحكت بهستيريا، ومدت يدَها وتناولت توتةً اخرى، حل الظلامُ، اعادتها الى دارِها، وحين اشرقت الشمسُ استيقظتُ على صوتِ ميكرفونِ القريةِ ينعى الخالةَ وهيبةَ .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق