عندما بلغتُ الخمسين
عندي اعتقاد لو كان عندك موهبة أو هواية ولدت معك تسيطر على تفكيرك وتتملك عقلك حتى لو شغلت عنها بشيء آخر في الحياة تلح عليك لتمارسها وتعيشها بكل ما تملك، ولو نسيتها سوف ترجع لك في فترة عمرك وبقوة وأقوى مما سبق.
كنت في صباي أعشق الأدب وأقرأ عنه كثيرًا لدرجة كان لي مكتبة فيها بعض الكتب وأنا في المرحلة الإعدادية، وكنت مشتركًا بقصر ثقافة نجع حمادي، وكنت ألتهم الكتب الأدبية التهامًا كالظمآن في وقت الهجير، وكنت أكتب الشعر، ولكن لم أدونه بل أردده وأكتبه على كراسة المدرسة ولا أعي به ولا أحتفظ به.
وعندما انتقلت من المرحلة الإعدادية للثانوي كنت متعلقًا أشد التعلق بمادة الأدب.
وكونا أنا وبعض الزملاء جماعة أدبية محمد سعد شمروخ وأسعد عزمي وأصدرنا مجلة تعبر عنا وكان لنا اجتماع أدبي أسبوعي، ونشرتُ بعض القصص والأشعار في تلك المجلة، وفي نادي أدباء الأقاليم في جريدة الجمهورية.
وعندما أنهيت دراستي الثانوية التحقتُ بالجامعة بالقاهرة، سعدت سعادة بالغة؛ لأني سوف أذهب لعاصمة الأدب.
وكان وجودي دائمًا في حديقة الأزبكية؛ لأكون قريبًا من سوق الكتب التاريخي ذي العبق القديم، وكان الكتاب هو صديقي في حلي وترحالي، ومع كثرة قراءاتي في الأدب كنت أتخيل أن توفيق الحكيم يمر من أمامي، وكذلك يحيي حقي وأمل دنقل فأجده شخصًا آخر.
وعشتُ مرحلتي الجامعية أقرأ فقط، وعملت فترة بالصحافة وأنا طالب، ثم كانت الطامّة بعد ذلك بعت جميع كتبي للروبابيكا، وتخلصت من كل تفكيري الأدبي وانغمستُ في دوامة الحياة تلاطمني أمواجها وتبعدني كثيرًا عن شطها.
تارة سفر أو قدر أو معيشة أو فكر؛ فعشت تلك الفترة من الخامسة والعشرين إلى الواحد والخمسين لا أحب الأدب ولا سيرته وعزفت عن كل شيء أدبي حتى الصحف ألقيتها بعيدًا.
وعندما بلغت الواحد والخمسين رجع لي حبي القديم الذي كان يسيطر على تفكيري، وكان يتملك عقلي كأني كنتُ مريضًا تلك الفترة الزمنية، وشفيت بفضل الله تعالى من مرض عضال.
وعاد أقوى وأشد وأخذ يشغلني عن النوم، وأرق مضجعي كأنه شلال ماء يتساقط من أعلي ليروي ظمأ السنين الجدباء لينبت الشعر والقوافي ووحي القلم، ويقرب لي المحبرة التي هجرتني سنين، وكسر فيها سن قلمي، وهجرني الشعر والطير ونسيم البحر وروائح الورد.
لدرجة كنت أتكلم شعرًا وأنطق نظمًا، وأحدث نفسي في الطرقات، وفي المواصلات، وكنت أتخيل أن كل شخص قصة قصيرة، وكل حدث، ورجعت لي ذاكرة صباي وطفولتي، وأخذت أكتب عن مرحلة الصبا والطفولة كأني أعيش في قريتي بهجورة، وأني ما زلت على الجسر وتحت النبقة، وأتسلق النخلة، وأسبح في الترعة كأني لم أبلغ العشرين من عمري، وتخيلت أني أنا ومحمد سعد شمروخ وأسعد عزمي وبعض زملاء الصبا نجلس جلسة أدبية، ونتكلم عن الأدب وجماله وروعته.
وأول ما بدأت ذاكرتي بدأت بسيرة ذاتية سميتها خالتي حميدة وحكايات من الصعيد، حكايات كانت مخزونة بذاكرتي، قصص حدثت على الجسر بعرب الرشايدة وما حولها، ثم بديوان شعر اسمه رسائل قلبي، وبعض الكتابات الإسلامية "هل تريد بيتًا في الجنة؟" ونجح نجاحًا جيدًا بفضل الله تعالى، ومجموعة قصصية "حكايات من الصعيد"، وكتاب صلاة الملائكة على المؤمنين، وديوان شعر "قطرات"، ورواية "صديق النخلة"، ومجموعة قصصية "الناي يتحدث"، وديوان شعر "قصائد مبعثرة"، وكتاب نثري "قطوف من هنا وهناك"،
وكتب في التاريخ كتاب عن قبيلة الرشايدة وكتاب عن جرائم الاحتلال الفرنسي في مصر وكتاب العروس المنتظرة ,ولله الفضل والمنة.
حتى قال لي أحد أصدقائي:
- أين كنت هذه الفترة التي مرت من عمرك؟
قلت له:
- كنت فاقدًا للذاكرة الأدبية فرجعت لي الآن والحمد الله.
لقد شبهتُ هذه المرحلة بمرحلة الشاعرة الإنجليزية كرستين انكلاتورثي صاحبة ديوان (أن تلمح فراشة) هذه الشاعرة كتبت الشعر بعد الخمسين، وقد مرت بنفس مرحلتي هذه.
فالموهبة -ولا أدعي أني موهوب- تحتاج لرعاية وتنمية من الفرد نفسه ومن غيره وعلي صاحب الموهبة -أي كانت- أن يعيش بين أقرانه من الموهوبين ألا وهو الانتماء مثلًا على الأديب أن يلتقي ويعيش مع الأدباء، ولا ينقطع عنهم؛ لأنه لو انقطع عنهم ضاعت الموهبة، ولم تنمُ وهل يعيش طائر بين طيور مختلفة من غير جنسه؛ فالموهبة حتى تنمو لا بد من سقيها حتى تترعرع مثل النبات لتثمر وتكبر وتنمو. الحمد لله قد عادت لي ذاكرتي الأدبية أقوى وأشد بفضل الله تعالى، أسأل الله دوامها حتى أحقق ما كنتُ أحلم به قبل بلوغي سن العشرين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق