ترتبط أغنية هذه ليلتى لأم كلثوم فى ذهنى بقريتى ساحل الجوابر بالمنوفية إرتباطا وثيقا حد أننى أعتبرها السلام الرسمى لهذه القرية و
أيقونته لا أعلم لماذا ؟..
هل لأنى عشقت أم كلثوم من خلال إقامتى بها منذ طفولتى و مرحلة الدراسة الجامعية ؟ لم أمر بتجربة حب كاملة فى تلك المرحلة رغم أنى كنت أستشعر كل أحاسيسه بأغانيها .. كل الدكاكين الفقيرة و خصوصا فى الصيف بعد العصر يقوم أصحابها برش الماء أمامها و بخلفية صوت المذياع على “ محطة أم كلثوم ” الغنائية التى تبدأ بأغنية لها من الخامسة مساءا ثم تتبعها بالتدريج بأغنية لعبد الوهاب و فريد الأطرش و حليم و وردة و شادية و فايزة و باقى المغنيين حسب الخريطة الإذاعية لليوم ثم تختم إرسالها بأغنية أخرى لأم كلثوم لينتهى البث فى العاشرة مساءا و بعدها يتم الإنتقال لأى محطة أخرى ..
كان بالإمكان الإستماع لجزء من أغنية لأم كلثوم أثناء سيرك فى الطريق ثم تكمل سماع الباقى من الأصوات الصادرة من فلاح على ظهر حماره أو من تجمع الخفراء النظامين الجالسين امام دوار العمدة أو ورشة و أنت تتابع مسيرك . قريتى كقرية معظمها متعلمين ومثقفين يحوى توليفة متنوعة من البشر بدرجات متفاوتة من الجودة و السوء و كل معروف و مشهور بصفته و لا مجال لإخفاء أى طبيعة بشرية فيه فهو مجتمع يعيش بفطرته و على سجيته و مشاعره الإنسانية مازالت خام لم يتم التلاعب فيها أو إضافة أى شئ ، مزيج من التناقضات متعايشة مع بعضها فى حال سلام مجتمعى لا مثيل له ، قد تحدث بعض الشجارات و معارك تصل لذروتها بحيث تظن ألا رجعة للهدوء مرة أخرى و لكنك تفاجئ بإجتماع كل الأطراف و بعد شد وجذب حوارى يعود الوضع لسابق عهده من الإستقرار ،
فأهل المدن يمتلكون ذكريات ثرية ساطعة متشعبة و متنوعة ، اما أهل القرى ذكرياتهم ساذجة تقليدية متكررة ، أما قاطنى الأحياء الراقية فذكرياتهم باهتة تتربط بأمور كلها مادية و تهتم كثيرا بمظاهر الثراء . نعود للأغنية مرة أخرى حيث لاقت نجاحا كبيرا و إنتشارا بين جميع الأوساط منذ أول ظهور لها حتى أن سائقى الجرارات الزراعية كانوا يكتبون على جراراتهم هذه ليلتى وحلم حياتى وهذا على سبيل العشق والسلطنة ، قريتى كانت تضم بين جنباتها كم ليس بالقليل من المثقفين و الأدباء و الكتاب و الشعراء و الفنانين غير المعروفين يمارسون هواياتهم فى مجالسهم الخاصة فى الحقول او مركز الشباب فيما بينهم ليس لديهم طموح سوى الإستمتاع بتلك الممارسة ..
فى حارتنا الجانبية كان هناك حلاق متجول يخرج كل يوم عصرا .. الحلاق المتجول هو حالة وسطى ما بين حلاقى المزارع من الفلاحين البسطاء الذين يدفعون له اجره قمح وذرة ، و بين حلاقى صالونات الحلاقة المعتادة بمختلف أشكالها و مستوياتها .. كان ذلك المتجول بحقيبته الجلدية المستطيلة الصغيرة ذات المقبض العاجى و المتآكلة أطرافها الباهت لون جلدها و بالكاد يظهر لونه البنى الأصلى ، بعدما ينهى يوما من التجوال بين شوارع القرية وحقولها للظفر بزبون أو أكثر ليحصل منهم على أجره لسد رمقه هو و أولاده ، يجلس على المسلطة امام منزله ليريح قدميه و يتناول كوب شاى أو قهوة و يدخن سيجارته ثم يرفع حقيبته و يضعها على حجره و يأخذ فى النقر عليها بحرفية طبال و يبدأ فى الغناء و يتسلطن ، كان صوته جميل و كانت أغنية هذه ليلتى أبرز أغانيه و خصوصا و هو يؤديها بنفس أسلوب و روح ملحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب لتترك فى نفوس المستمعين و أنا منهم - رغم حداثة سنى - أثرا لا ينسى يظل عالقا بالذاكرة مهما مرت عليه من الأعوام

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق